“الارتحال الأخير”: حين يصبح الوهم ملاذًا والواقع ذكرى باهتة
في رواية “الارتحال الأخير”، لا يرسم لنا محمود أغيورلي صورة قاتمة لمستقبل منقسم بيئيًا فحسب، بل يغوص بنا عميقًا في تداعيات هذا الانقسام على طبيعة الوجود الإنساني والعلاقات الاجتماعية. ففي المدن الآمنة المعزولة، حيث ينعم السكان برفاهية مصطنعة تحجب عنهم قسوة العالم الخارجي، يبرز سؤال وجودي حول معنى الواقع وكيف تتشكل العلاقات في ظل الاعتماد المتزايد على المحاكاة والتجارب الافتراضية.
في هذا العالم المستقبلي، يبدو أن الحاجة إلى التواصل الإنساني الحقيقي لم تمت، بل اتخذت أشكالًا جديدة، وإن كانت تبعث على التأمل. تلجأ شخصية نادين إلى “غرف الخصوصية” للقاءات عشوائية، حيث تتخيل شريكها “آدم” وتطلب منه الانغماس في هذا الوهم المشترك. هذه المشاهد تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات الحميمة في عالم افتراضي. هل يمكن للمحاكاة أن تعوض عن اللمسة الحقيقية، عن الدفء الإنساني الصادق؟ أم أنها مجرد مسكن مؤقت لوحدة عميقة؟
يبدو أن الحياة في المدن الآمنة تعتمد بشكل كبير على أجهزة المحاكاة لتوفير بدائل افتراضية عن المتع الحقيقية التي فقدها الإنسان في العالم الخارجي. ربما يتناول سكان هذه المدن أطعمة “محاكية”، ويشاركون في “أنشطة افتراضية” تحاكي التجارب الواقعية. هذا الاعتماد المتزايد على الوهم يطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث للروح الإنسانية عندما يصبح البديل الافتراضي هو القاعدة، ويتحول الواقع إلى مجرد ذكرى باهتة؟ هل يمكن للإنسان أن يزدهر في بيئة تفقد فيها الحواس معناها الحقيقي، وتصبح فيها كل التجارب قابلة للإنشاء والتعديل؟
إن فكرة استبدال الواقع بالمحاكاة تطرح تحديات عميقة أمام مفهوم المجتمع البشري. كيف ستتشكل العلاقات الاجتماعية عندما يكون التفاعل غالبًا عبر وسائط افتراضية؟ هل ستتلاشى الحدود بين الحقيقي والمصطنع، ليصبح الوهم هو المعيار الجديد؟ وهل سيؤدي هذا التحول إلى تآكل القدرة على بناء علاقات عميقة وصادقة مبنية على تجارب مشتركة في عالم مادي حقيقي؟
لجوء نادين إلى تخيل شريكها باسم شخص حقيقي (“أنت الآن آدم”) قد يعكس رغبة دفينة في استعادة شيء فقدته، ربما علاقة حقيقية أو شعورًا بالألفة والصدق. هذا يشير إلى أن الإنسان، حتى في ظل الترفيه الافتراضي الكامل، قد يظل يشعر بفراغ ناتج عن فقدان الأصالة والتجربة المادية الملموسة.
إن “الارتحال الأخير” لا تكتفي برسم صورة لمستقبل بيئي كارثي، بل تتجاوز ذلك لتستكشف التأثيرات العميقة لهذا المستقبل على جوهر الوجود الإنساني. إنها تثير تساؤلات مقلقة حول طبيعة الواقع، وقيمة العلاقات الحقيقية، ومستقبل المجتمعات البشرية في عالم قد يصبح فيه الوهم هو الملاذ الوحيد المتاح. هل سنصبح أسرى لرفاهية زائفة، نفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، ونكتفي بعالم مصطنع يعوض عن فقداننا للعالم الحقيقي؟ هذا ما تدعونا الرواية للتفكير فيه مليًا قبل أن يصبح هذا السيناريو مجرد نبوءة تحققت.
صحيفة عكاظ اليوم ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.