الاخبار

أطفال المدارس يمرحون في البيت الأبيض

نظمت مدرسة ابني الابتدائية الواقعة في مقاطعة مونتغمري بولاية ميريلاند (خارج العاصمة واشنطن) رحلة مدرسية اختيارية ومجانية إلى البيت الأبيض، مقر الحكم الرئيسي في الولايات المتحدة، ومقر سكن وعمل الرئيس والعائلة الأميركية الأولى. ونظرا لصغر سن التلاميذ، تواصلت إدارة المدرسة مع الأهالي لإبلاغهم بإمكان اصطحاب كل تلميذ شخصين معه في هذه الرحلة؛ من هنا قررت الذهاب مع ابني، ونظرا لانشغال زوجتي، فقد اصطحبنا كذلك الابن الأصغر معنا.

تحركنا منفردين بعد ذلك، كل شخص يحاول أن يضبط سلوك أولاده وسط ازدياد ارتفاع الأصوات، وصراخ بعضهم خلال لعبهم وجريهم بين ردهات البيت الأبيض وغرفه، كان يوجد عدد محدود من رجال الأمن في الداخل، إلا أنهم لم يقوموا إلا بالتقاط الصور لنا ولهم مع الأطفال في جو مبهج للجميع.

ذهبنا في الموعد المحدد، وكان هناك طابور طويل به ما يزيد على 100 شخص، ووقفنا نحن الأهالي مع المدرسين والتلاميذ نتبادل الآراء في معنى فتح البيت الأبيض لتلاميذ في هذه المرحلة العمرية المبكرة. تحدثنا عن البيت الأبيض وتاريخه وأهميته، وكانت مفاجأة سارّة لولديّ أن والدهما هو الوحيد من بين الأهالي الذي سبق له دخول البيت الأبيض مرات عدة (مناسبات رسمية صحفية واجتماعية). لم نتجول في كل أرجاء البيت الأبيض، ولم نصعد إلى الدور الثاني الذي يسكنه الرئيس وعائلته، ولم ندخل مكاتب كبار العاملين بالبيت الأبيض، واقتصرت الزيارة على ما يقرب من رُبع البيت الذي يضم عددا من أهم الغرف وأكبرها، والصالات التي شهدت أحداثا تاريخية، فضلا عن الحدائق المحيطة.

عندما اقتربنا من بوابة الفحص الأمني، انقسمنا إلى فريقين أحدهما للمواطنين الأميركيين، والآخر لغير الأميركيين، وكانوا هم الأغلبية بين الحضور. لم تستغرق إجراءات التفتيش إلا دقائق قليلة، ولم تشمل إلا المرور من خلال بوابة إلكترونية كتلك الموجودة في مطارات العالم، ولم تُسحب منا الهواتف النقالة، وبعد دقائق كان الجميع من أميركيين وغير أميركيين داخل حديقة البيت الأبيض الجنوبية.

تحركنا منفردين بعد ذلك، كل شخص يحاول أن يضبط سلوك أولاده وسط ازدياد ارتفاع الأصوات، وصراخ بعضهم خلال لعبهم وجريهم بين ردهات وغرف البيت الأبيض. كان يوجد عدد محدود من رجال الأمن في الداخل، إلا أنهم لم يقوموا إلا بالتقاط الصور لنا ولهم مع الأطفال في جو مبهج للجميع. تنتشر على جدران غرف البيت الكبيرة صور مرسومة بالزيت لأغلب رؤساء الولايات المتحدة من دون تفرقة بين رئيس جمهوري وديمقراطي، ولا بين من بقي في الحكم 4 سنوات أو من بقي 8 سنوات. ويعدّ البيت الأبيض تحفة معمارية رائعة، وهو من بين أقدم مجموعة من المباني الحكومية في واشنطن، وعمل وسكن فيه جميع رؤساء الولايات المتحدة باستثناء الرئيس الأول جورج واشنطن فقد اكتمل بناؤه عام 1792 بعد انتهاء حكم الرئيس واشنطن، وبلغت تكلفة البناء حينذاك نحو 232 ألف دولار، ويبلغ سعر البيت الأبيض اليوم -طبقا لخبراء العقارات- ما يقارب 110 ملايين دولار.

ترمي مثل تلك الرحلات المدرسية لتلاميذ المرحلة الابتدائية إلى تعريف الأطفال بقيم مهمة تستمر معهم بقية حياتهم. ولا تقتصر هذه الرحلات في الولايات المتحدة على المؤسسات السياسية مثل البيت الأبيض والكونغرس والمحكمة الدستورية العليا أو الوزارات المختلفة، بل تمتد لتشمل رحلات تسهم في بناء قيم جميلة متنوعة يتعلق بعضها بالحفاظ على البيئة، وإظهار الاختلاف بين الأقاليم الأميركية، والتعرف على الحياة خارج المدن. ومن بين الرحلات التي اصطحبني فيها أولادي الصغار معهم، مرافقا، رحلات إلى مناطق خضراء ومزارع متخصصة، حيث يتم تعريف التلاميذ عن قرب على حياة الفلاحين وحيواناتهم ومحاصيلهم ومعداتهم التقليدية والحديثة التي يستخدمونها، ويقضي التلميذ يوما كاملا يساعد الفلاحين في أعمالهم بما فيها رعاية حيواناتهم. وفي رحلة أخرى ذهبنا إلى مزرعة فراولة، وقضى التلاميذ ساعات يجمعون ثمار الفراولة، وقرر مالك المزرعة السماح لكل تلميذ بأخذ جزء مما جمعه لنفسه، وبالطبع كانت سعادة التلاميذ غامرة أن يعودوا لبيوتهم حاملين كمية من الفراولة جمعوها بأيديهم.

تُعدّ “مرحلة الطفولة” أهم مراحل غرس المفاهيم والقيم، خاصة ما يتعلق بعلاقة المواطن بمؤسسات الحكم، وعلاقة الشخص بالطبيعة والبيئة من حولنا، إذ إن ترسيخها في هذه المرحلة المهمة يجعل منها عنصرا مكوّنا في توجيهه وبناء شخصيته. وتسهم مثل تلك الأنشطة في إكساب الطفل قيم الولاء الوطني وتشعره منذ مراحل عمره الأولى بثوابت لا تعرف الخوف أو الرهبة أو وجود فجوات بينه بصفته مواطنا وبين أهم المؤسسات ورموز الحكم في الدولة التي ينشأ فيها. من هنا لا يخشى التلميذ صغيرا، والمواطن كبيرا البيت الأبيض أو الكونغرس ومكاتب أعضائه.

إفساح مؤسسات الحكم أمام المواطنين صغارا وكبارا يعكس قيما مهمة، ويخلق علاقات صحية بين الطرفين لا يصبح معها أي طرف خاسرا لا في المدى القصير ولا المدى البعيد.

يتشكل العقل الجمعي للتلاميذ الأطفال والشباب والمواطنين من خبرات مختلفة متراكمة، ومن بين الخبرات المتوفرة في الولايات المتحدة وجود مقاعد كثيرة في كل غرف وقاعات الكونغرس حيث تعقد لجان الاستماع والاستجوابات لكبار المسؤولين الأميركيين الذين لا تفصلهم إلا أمتار قليلة عن عامة الشعب ممن يحضرون هذه الجلسات من دون أي شروط سوى الحضور المبكر لضمان مقعد جيد الموقع.

كم من تلاميذ مدارسنا سنحت لهم فرصة دخول قصور الحكم العربية أو دواوين الحكم السيادية؟ كم منهم تم تعليمه منذ الصغر أن من يشغلون هذه القصور ما هم إلا خدام له وموظفون عموميون لبقية التلاميذ ولكل المواطنين؟

  • محمد المِنشاوي

    كاتب ومحلل سياسي مقيم بواشنطن ومتخصص في الشؤون الأميركية

  • مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى